
شـجـاعـتـه وصـبـره صـلى الله عـلـيـه وسـلـم :
لرسول الله صلى الله عليه وسلم السهم الوافر والقدح المُعلى ، في الشجاعة نصرةً لهذا الدين وإعلاء لكلمة الله عز وجل ، وجعل ما أنعم الله عليه من نعم في مكانها الصحيح فهذه عائشة رضي الله عنها تقول : "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئًا قط ، إلا أن يُجاهد في سبيل الله ، ولا ضرب خادمًا ولا امرأة" رواه مسلم .
ومن شجاعته صلى الله عليه وسلم وقوفه وحيدًا يدعوا لهذا الدين أمام كفار قريش وصناديدها ، وثباته على هذا الدين حتى نصره الله ، ولم يقل ليس معي أحد ، والقوم كلهم ضدي ، بل اعتمد على الله عز وجل واتكل عليه وصدع بأمر الدعوة .
وكان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأمضاهم عزمًا وإقدامًا ، كان الناس يفرون وهو ثابت !
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء ، ولم ينله أذى ، ولم تحاربه قريش ، ولم ترم أمم الكفر بسهم واحد من كنانتها إلا عندما صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر التوحيد ، ووجوب إفراد العبادة لله عز وجل . وتعجب الكفار بقولهم : {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} سورة ص : 5 ، فهم يتخذون الأوثان وسائط بينهم وبين الله عز وجل ، كما قال تعالى عنهم : {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} سورة الزمر : 3 .
وتأمل أخي المسلم في الشرك الذي عمَّ وطم في بلاد المسلمين ، من دعاء الأموات والتوسل بهم والنذر لهم والخوف والرجاء !
حتى تقطعت حبالهم مع الله عز وجل بسبب شركهم ، وإنزال الأموات منزلة الحي الذي لا يموت ، {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ ، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} سورة سبأ : 24
ونطل من بيته إلى الجبل المقابل من الجهة الشمالية ، إنه جبل أحد حيث الموقعة العظيمة التي تبدت فيها ، شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وثباته ، وصبره على الجراح التي أصابته في تلك الموقعة العظيمة ، حيث أدمي وجهه الشريف وكسرت رباعيته ، وشج رأسه عليه الصلاة والسلام .
يحدثنا سهل بن سعد رضي الله عنه عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : "أما والله إني لأعرف من كان يغسل جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن كان يسكب الماء وبما دُووي ، قال : كانت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله ، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجنِّ ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة ، أخذت قطعًا من حصير وأحرقتها وألصقتها ، فاستمسك الدم ؛ وكُسرت رباعيته ، وجرح وجهه ، وكسرت البيضة على رأسه" رواه البخاري .
والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة حُنين : "لما التقى المسلمون مدبرين ، طفق رسول الله صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته نحو الكفار ، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تُسرع ، وكان يقول حينئذ : "أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب" رواه مسلم .
أما الفارس الشجاع صاحب المواقف المشهورة ، والوقائع المعروفة على بن أبي طالب رضي الله عنه ، فهو يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كُنَّا إذا احمرَّ البأس ، ولقي القومُ القومَ ، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه" رواه البغوي في شرح السنة ، وانظر صحيح مسلم 3 / 1401 .
ولصبر الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الدعوة ؛ مضرب المثل ؛ والقدوة الحسنة ، حتى أقام الله عز وجل صروح هذا الدين ؛ وطفقت خيله تجول الجزيرة ، وبلاد الشام ، وما وراء النهر ، وحتى لا يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لقد أُخفت في الله ؛ وما يُخاف أحد ، ولقد أُذيت في الله ؛ وما يؤذى أحد ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليل ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواري إبط بلال" ، رواه الترمذي وأحمد .
ورغم ما ورد إليه من الأموال والغنائم وما فتح الله على يديه ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لم يورِّث دينارًا ولا درهمًا ، إنما ورث هذا العلم ؛ وهو ميراث النبوة ، فمن شاء أن يأخذ من هذا الميراث فليُقدم ، وليهنأ به من ميراث .
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ، ولا درهمًا ، ولا شاةً ، ولا بعيرًا ، ولا أوصى بشيء" رواه مسلم .