جواهر الحارثي تكتب التحول المجتمعي بين “التغيٌر والتغيير”

التغيٌر والتغيير مصطلحان متشابهان في المبنى اللغوي وكلاهما يدلان على “التحول” في ظاهرهما، إلا أنهما لا يحملان ذات المعنى في مضمونهما فلكل من المصطلحين مدلولات عميقة ومختلفة

وذات آثار مغايرة تماماً في نتائجها؛ فالتغيٌر يعني التحول “التلقائي ” اللا إرادي وغالباً ما يحدث هذا التحول بشكل مفاجئ خارج عن السيطرة ،وهو لا يقتصر على البناء الاجتماعي فحسب بل يمتد كذلك للمتغيرات الكونية والديموغرافية والاقتصادية والسياسية وكل ما يتعلق بالوجود من مؤثرات تتحكم بشكل مستمر في معدلات القدرة الحضارية ، وقد يصعب التنبؤ به، وما يزيد الأمر صعوبة ان هذا التغير ليس بالضرورة يكون تطوراً او تغير ايجابي فلربما كانت نتائجه سلبية ؛
اما التغيير فهو التحول “غير التلقائي” الإرادي والمقصود عمداً بهدف التحسين والتطوير وفق منهجية معايرة ومخطط لها مسبقاً لمعاصرة التحولات العالمية المتسارعة ومقاومة الانحرافات المعيارية عن مسار ات تلك الخطط ولعل هذا التخطيط المسبق إشارة جلية إلى امكانية التنبؤ بالتغيير.
أما عن الحاجة الى التحول المجتمعي فهل هي حاجة الى التغيٌر ام التغيير؟
لا شك وان فكرة التحول المجتمعي لم تأتي للتفاوض في نوع التحول سلبي ام إيجابي هي حتماً قرار محسوم يعني بالنهوض بالمجتمع لأعلى مستويات التقدم الحضاري واحداث نقله نوعية في كيانه تؤرخ التغير الطارئ عليه في ميادين المنافسة العالمية، الا ان التغير في حد ذاته ظاهرة سارية في المجتمعات على مر العصور يزيد وينقص باختلاف قدرة المؤثرات الخارجية على احداثه وقد حدث التغير فعلاً في معظم المجتمعات سواء الواقعية او الافتراضية خاصة خلال العقود الأربعة الماضية وساد نفوذه معظم ارجاء العالم الا انه لاتزال نسبة التقدم الحضاري متفاوتة بين المجتمعات؛ الأمر الذي يشير الى أن الحاجة الحقيقية الراهنة للتحول المجتمعي هي الحاجة للتغيير اولاً بواسطة الخبراء والقادة التكنوقراطيين الأكثر تأهيلاً للنهوض بالمجتمعات وزيادة مستوى التقدم الحضاري وإحداث اتساق مجتمعي يخلو من أي تناقضات ويكافح اخطار التغيٌر الخارجة عن السيطرة.
في الواقع إننا لا نحتاج إلى مؤشرات رقمية وحسب للتحول المجتمعي بل هناك حاجة ملحة لمؤشرات كيفية تتسق مع معطيات البيئة الفعلية فعلى سبيل المثال لو بحثنا في إمكانيات التحول الرقمي لوجدناها متوفرة وبشكل منافس محلياً وعالمياً من الناحية الكمية الا ان بيئة التحول الرقمي لاتزال فقيرة لكيفية تطبيقها، التغير الإيجابي الذي نطمح له لا يحدث دون تغيير قد نستطيع أن نحدث التغير المطلوب بشكل سريع وفوري في الهيكل العام لرؤيتنا لكن قد تواجهنا تحديات تعيق استمراره ان لم نكن عنينا بجودة البناء من الصفر ، كما أننا لن نتمكن من الاستفادة الفعلية من ذلك التغير مالم نحدث التغيير في البيئة الفعلية ونهيأ العناصر المؤثرة فيه ونستثمر القدرات البشرية ونساهم في الحيلولة بين التغيير ومقاومته. ففي مجمل التغيرات الناجحة التي شهدناها على المستوى العالمي لبعض الدول التي كانت تعاني من الاستبطان والركود والتقاعس على امكانياتها المحدودة نجد ان قرار اعداد عناصر التغيير والعناية بهم كان العامل الرئيسي لحدوث التغير الإيجابي واستمراره ؛وهاهي الصين نموذج حي للتميز والريادة على المستوى العالمي فبعد أربعة عقود على إطلاق الزعيم الصيني “دينج سياو بينج” لسياسة “الإصلاح والانفتاح” على العالم الخارجي، تحولت الصين إلى ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية وقد كانت الصين بلد محدودة الدخل تقوم في اقتصادها على مصدر الزراعة فحسب ، وما يحدث الآن من تقدم تقني معاصر في الصين لم يكن وليد اللحظة او بموجب قرارات متهورة بل هو نتاج أربعين سنة من الخبرات التراكمية والدراسات عبر عمليات تدريجية تتخللها الملاحظة والمراقبة ولاشك ان مقاومة التغيير سياسة توازي سياسة احداث التغيير الا ان الصين استطاعت التغلب على كل التحديات التي واجهتها ؛ ويعزي الكتاب والمحللين والمراقبين ذلك النجاح الذي شهدته الصين الى اهتمامها في “تغيير نمط الحياة باتجاه تحسين حياة الشعب الصيني وصولا إلى بناء مجتمع حيوي يُتيح العيش في بيئة متوازنة وإيجابية تقوم على سعادة الأسرة والمواطن والاستقرار الاجتماعي”، الأمر الذي ينعكس بشكل تلقائي وايجابي على تفاعل الافراد مع توجهات التغيير المستهدفة للتحول المجتمعي وهذا بالضبط ما تنشده رؤية 2030 التي اطلقها ولي العهد في 25 إبريل 2016 ويرجو ثمارها بحلول 2030 بتظافر الجهود واستثمار الطاقات والقدرات البشرية حتى نصل الى هرم التحول المجتمعي المنشود، وتلك غاية كل وطن طموح لا يصنعها إلا همم عالية منتهاها القمة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WhatsApp chat
0

Your Cart